أبو معاذ الجندي
12-Mar-2007, 09:39 PM
بسم الله الرحمن الرحيم ,والصلاة والسلام على رسول الله وعلى اله وصحبه أجمعين وبعد :
هذه المسالة من أهم المسائل الفقهية ومما عظم فيها الخلاف على أقوال عديدة تبلغ أكثر من تسعة أقوال نقتصر على أقواها :
القول الأول : أنه يحرم استقبال القبلة واستدبارها مطلقاً سواء كان في الصحراء أم البنيان , وهذا مذهب الحنفية ورواية عن الإمام أحمد وجماعة من السلف كالثوري والنخعي ومجاهد وأبي ثور من الشافعية وابن العربي من المالكية وابن حزم من الظاهرية وابن تيمية وابن القيم من الحنابلة ( أنظر : فتح الباري 1/322 , المنهاج 2/154 , المجموع 2/86 , المغني , 1/22 ) ونسبة ابن حجر إلى المشهور من مذهب الحنابلة وهو وهم منه – رحمه الله – , واستدلوا بعموم الأحاديث الدالة على المنع ومن أبرزها :
1. ما أخرجه الشيخان من طريق سفيان بن عيينة عن الزهري عن عطاء بن يزيد الليثي عن
أبي أيوب Z أن النبي T قال : " إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ولكن شرقوا أو غربوا " فقال أبو أيوب : فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض بُنيت قبل القبلة , فنحرف ونستغفر الله تعالى " وفي رواية للبخاري " إذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يولها ظهره , شرقوا أو غربوا " .
2. وبما أخرجه مسلم من طريق القعقاع عن أبي صالح عن أبي هريرة Z عن النبي T قال " إذا جلس أحدكم على حاجته فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها "
القول الثاني : التفريق بين الصحراء والبينان ,فيجوز في البيان ولا يجوز في الصحراء , وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد وهو مذهب الإمام مالك والإمام الشافعي , واختاره جماعة من أهل العلم كابن المنذر وابن قدامة قال " وهو الصحيح " قال ابن حجر في الفتح " وهو أعدل الأقوال " واستدلوا :
بالنص والنظر : فمن النص الأدلة السابقة في تحريم استقبال القبلة أو استدبارها في الصحراء , وأما جوازه في البنيان فلأدلة عديدة ( في كثير منها مقال ) أشهرها وأقواها , ما أخرجه الإمام مسلم من حديث محمد بن يحيى بن حبان عن عمه واسع بن حبان عن ابن عمر Z قال " رقيت على بيت أختي حفصة , فرأيت رسول الله T قاعدا لحاجتـه مستقبل الشام , مستدبر القبلة "
ونوقش : بأنه محمول على أنه خاص بالنبي T أو منسوخ بأحاديث النهي , قال ابن القيم ( زاد المعاد 2/383) " وهذا يحتمل وجوها ستة : نسخ النهي به , وعكسة , وتخصيصه به T , وتخصيصه بالبنيان , وأن يكون لعذر اقتضاه لمكان أو غيره , وأن يكون بنيانا , لأن النهي ليس على التحريم ولا سبيل إلى الجزم بواحد من هذه الوجوه على التعيين ... فلا سبيل لى ترك أحاديث النهي الصحيحة المستفيضة بهذا المحتمل "
ورد : بأن ما ذكر أنه مخصوص بالنبي T لا دليل عليه , والأصل عدم الخصوصية قال ابن حجر " ودعوى خصوصية ذلك بالنبي T لا دليل عليها إذ الخصائص لا تثبت بالاحتمال " والقول بالخصوصية يتجه إذا تعذر الجمع أما إن لم يتعذر فلا , أما القول بالنسخ سواء كان الناسخ حديث ابن عمر أو حديث أبي أيوب لا يصح لأن النسخ لا يصار إليه إلا عند تعذر الجمع , كما هو الحال في مسألة تعارض القول مع الفعل, والجمع ممكن ,قال النووي ( المجموع 2/96 ) : وأما قولهم : ناسخان ( يعنى حديث عائشة الآتي وحديث ابن عمر السابق ) فخطأ لأن النسخ لا يصار إليه إلا عند تعذر الجمع ولم يتعذر هنا " وقال في المنهاج " ولا خلاف بين العلماء أنه إذا أمكن الجمع بين الأحاديث لا يصار إلى ترك بعضها , يجب الجمع بينهما والعمل بجميعها , وقد أمكن الجمع على ما ذكرناه و فوجب المصير إليه "
ولما أخرجه الإمام أحمد في مسنده من طريق خالد بن أبي الصلت عن عراك عن عائشة قالت " ذكر لرسول الله T أن ناساً يكرهون أن يستقبلوا القبلة بفروجهم , فقال T : أو قد فعلوها , حولوا مقعدتي قبل القبلة "
ورد : بأن هذا الحديث معلول ولا يصح , لأمور :
1. أن عراك بن مالك لم يسمع من عائشة Z , قاله الإمام أحمد نقلاً عن الأثرم ( المراسيل لابن أبي حاتم 299 )
2. أن الصحيح وقفه على عائشة , قال الترمذي في كتاب العلل : سألت أبا عبدالله محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال : هذا حديث فيه اضطراب , والصحيح عندي عن عائشة قولها
3. في سنده خالد بن أبي الصلت , قال الذهبي في ميزان الاعتدال (1/632) : لا يكاد يعرف .
وأيضا بما أخرجه الإمام أحمد في مسنده وابي داود في سننه وغيرهما من طريق محمد بن اسحاق عن أبان بن صالح عن مجاهد عن جابر Z قال " نهى T أن نستقبل القبلة ببول فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها " وليعلم أن هذا الحديث مما استدل به جمع من السلف في نسخ أحاديث النهي , ووجه الدلالة : أن جابر Z لم بين ويخصص رؤياه للنبي T حال قضاء الحاجة بالبيان , فوجب أمضاه على العموم , ورد : بأنه محمول على وقوع ذلك منه T في الأبنية , قال ابن حجر ( الفتح 1/323) " والحق أنه ليس بناسخ لحديث النهي خلافاً لمن زعمه , بل هو محمول على أنه رأه في بنا أو نحوه , لأن ذلك هو المعهود من حاله T لمبالغته في التستر , ورؤية ابن عمر Z له كانت من غير قصد كما سيأتي فكذا رواية جابر " قلت : هذا وجيه لولا ما فيه من الاحتمال ,
ونوقش : بأن هذا الحديث أعل بأمور
1. فيه ( أبان بن صالح ) قال عنه ابن حزم ( مجهول ) ورد : بأن أبان مشهور ثقة , قال ابن مفوز : أبان بن صالح مشهور ثقة صاحب حديث , وهو أبان بن صالح بن عمير أبو محمد القرشي , روى عنه ابن جريج , وابن عجلان وابن سحاق , وعبيد الله بن أبي جعغر , واستشهد بروايته البخاري في صحيحه عن مجاهد والحسن بن مسلم وعطاء , وثقة يحيى بن معين وأبو حاتم وأبو زرعة الرازيان والنسائي , قال ابن حجر في التهذيب " وثقة الأئمة , ووهم ابن حزم فجهله , وابن عبدالبر فضعفه " .
2. فيه ( محمد بن إسحاق ) , واختلف الأئمة العلام فيه , فعدة الإمام مالك بأنه دجال من الدجاجلة , واتهمة هشام بن عروة بن الزبير بالكذب , لأنه كان يروى عن زوجته , وكان هشام ينكر سماع ابن اسحاق عها , ويقول هل دخل على امرأتي ؟ , قال ابن القيم " انفرد به محمد بن اسحاق , وليس هو ممن يحتج به في الأحكام , فكيف أن يعارضة بحديثه الأحاديث الصحاح أو ينسخ به السنن الثابته ", بينما وثقه شعبة بن الحجاج,و يحيى بن سعيد القطان ,و الإمام أحمد وغيرهم , قال سفيان بن عيينة " ما أدركت أحداً يتهم ابن اسحاق في حديثه " , وقال الذهبي " حسن الحديث , صالح صدوق , وما انفرد به ففيه نكارة " قال صاحب القول المسدد : وأكثر ما عيب عيه التدليس والرواية عن المجهولين , وأما هو في نفسه فصدوق قال ابن حجر في التهذيب ( صدوق يدلس ) وعموماًَ : أظهر القوال فيه القول بقبول حديثة وعده من الحسان , إلا ما تفرد به فيوجب التأمل والنظر .
وأما من النظر فما حكاه الحافظ ابن حجر عن ابن المنير (الفتح 1/323 ) قوله " أن الاستقبال في البنيان مضاف إلى الجدار عرفاً , وبأن الأمكنة المعدة لذلك مأوى الشياطين فليست صالحة لكونها قبلة , بخلاف الصحراء فيها " ولأن الاستدبار أهون من الاستقبال فهو أقبل قبحا منه ويشكل على هذا : ما قاله ابن القيم ( الزاد 2/383) " ما حد الحاجز الذي يجوز ذلك معه في البنيان ؟ ولا سبيل إلى ذكر حد فاصل , وإن جعلوا مطلق البنيان مجوزا لذلك , لزمهم جوازه في الفضاء الذي يحول بين البائل وبينه جبل قريب أو بعيد كنظيره في البنيان , وأيضاً فإن النهى تكريم لجهة القبلة , وذلك لا يختلف بفضاء ولا بنيان , وليس مختصاً بنفس البيت , فكم من جبل أو أكمه حائل بين البائل وبين البيت بمثل ما تحول جدران البينان وأعظم , وأما جهة القبلة فلا حائل بين البائل وبينها وعلى الجهة وقع النهي لا على البيت نفسه " أهـ كلامه رحمه الله
القول الثالث " تحريم استقبال القبلة واستدبارها في الصحراء , وجواز الاستدبار في البنيان دون الاستقبال , وهذا القول رواية عن الإمام أحمد حكاها صاحب الإنصاف , ونسبة غير واحد للإمام أبي حنيفة , وفيه نظر , فقد بين العيني في عمدة القاري أن هذا القول مروى عن أبي يوسف صاحب أبي حنيفة لا أبي حنيفة نفسه ودليلهم : حديث ابن عمر السابق قال " رقيت على بيت أختي حفصة , فرأيت رسول الله T قاعدا لحاجتـه مستقبل الشام , مستدبر القبلة " وهذا القول فيه قوة ,ولا يرد قياس الاستدبار على الاستقبال للتفاوت بينهما , قال ابن حجر " ولا يقال يلحق به الاستقبال قياساً , لأنه لا يصح لكونه فوقه " لولا أن يشكل عليه : حديث جابر Z قال " نهى T أن نستقبل القبلة ببول فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها " إلا أن هذا الحديث ضعفه جمع من الأئمة لعلل سبق بيانها .
القول الرابع : القول بالكراهة , سواء كان في البنيان أو في الصحراء , وهو مروى عن الإمام أحمد (الأنصاف ) ودليلهم : الجمع بين أحاديث النهي وأحاديث الجواز , وهذا القول قوي أيضاً , يعضده ما سبق نقله عن ابن القيم في الاعتراض على القول الثاني فليراجع ,ولكن يشكل على هذا : ما اعترض به على حديث ابن عمر وغيره من أنه محمول على الأبنية
وعلى كل حال المسألة محل تردد وتوقف عندي لا يمكن أن أجزم بقوة أحد الأقوال على من سواها خاصة الأقوال التي ذكرتها , وأما ما عداها من أقوال وهي تربوا على التسعة فهي محل ضعف , أعرضت عنها اختصار للوقت , والذي ينبغي للمسلم الحرص على عدم استقبال أو استدبارها مطلقاُ سواء كان في الصحراء أم البنيان والله أعلم
تتمة :
1. ذهب جماعة من السلف منهم ابن سرين إلى تحريم استقبال القبلة الأولى بيت المقدس واستدلوا بما رواه أبو داود وغيره من طريق عمرو بن يحيى عن أبي زيد عن معقل بن أبي معقل الأسدي قال " نهى رسول الله T أن نستقبل القبلتين ببول أو بغائط " وهو ضعيف , وأما ما قاله النووي : إسناده حسن , فضعيف , وعلى فرض صحته فقد أجيب عنه بعدة أجوبه أحسنها ما ذكره العظيم أبادي بأنه يحتمل أن يكون من أجل استدبار الكعبة , لأن من استقبل بيت المقدس بالمدينة فقد استدبر الكعبة ( عون المعبود 1/28) وعليه فالصحيح ما ذهب إليه الجمهور ونقل فيه الإجماع من جوازه ( الفتح 1/323) .
2. ذهب الحنابلة في المشهور عنهم إلى أنه يكفى الانحراف اليسير عن جهة القبلة . واختار شيخ الإسلام عدمـه , وقرر أنه لا بد من الانحراف الكثيرة , وهو الصواب ( حاشية ابن قاسم 1/351)
3. ذهب الحنابلة إلى أنه يكره استقبال القبلة حال الاستنجاء , والتحقيق : ما اختاره الشافعية من عدم الكراهة , قال النووي ( المجموع 2/76) : لأن النهي ورد في استقبالها واستدبارها ببول أو غائط ,وهذا لم يفعله .
4. ذهب ابن حبيب من أصحاب الإمام مالك إلى كراهية الجماع حال استقبال القبلة أو استدبارها , وخالفه عامة أهل العلم فراو الجواز , وهو الحق , لأن الكراهة حكم شرعي تحتاج إلى دليل , ولا دليل .
هذا ما تيسر به الوقت ,ولعل الله ييسر في وقت لاحق أن ننشر أصل هذا البحث , وأخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
هذه المسالة من أهم المسائل الفقهية ومما عظم فيها الخلاف على أقوال عديدة تبلغ أكثر من تسعة أقوال نقتصر على أقواها :
القول الأول : أنه يحرم استقبال القبلة واستدبارها مطلقاً سواء كان في الصحراء أم البنيان , وهذا مذهب الحنفية ورواية عن الإمام أحمد وجماعة من السلف كالثوري والنخعي ومجاهد وأبي ثور من الشافعية وابن العربي من المالكية وابن حزم من الظاهرية وابن تيمية وابن القيم من الحنابلة ( أنظر : فتح الباري 1/322 , المنهاج 2/154 , المجموع 2/86 , المغني , 1/22 ) ونسبة ابن حجر إلى المشهور من مذهب الحنابلة وهو وهم منه – رحمه الله – , واستدلوا بعموم الأحاديث الدالة على المنع ومن أبرزها :
1. ما أخرجه الشيخان من طريق سفيان بن عيينة عن الزهري عن عطاء بن يزيد الليثي عن
أبي أيوب Z أن النبي T قال : " إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ولكن شرقوا أو غربوا " فقال أبو أيوب : فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض بُنيت قبل القبلة , فنحرف ونستغفر الله تعالى " وفي رواية للبخاري " إذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يولها ظهره , شرقوا أو غربوا " .
2. وبما أخرجه مسلم من طريق القعقاع عن أبي صالح عن أبي هريرة Z عن النبي T قال " إذا جلس أحدكم على حاجته فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها "
القول الثاني : التفريق بين الصحراء والبينان ,فيجوز في البيان ولا يجوز في الصحراء , وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد وهو مذهب الإمام مالك والإمام الشافعي , واختاره جماعة من أهل العلم كابن المنذر وابن قدامة قال " وهو الصحيح " قال ابن حجر في الفتح " وهو أعدل الأقوال " واستدلوا :
بالنص والنظر : فمن النص الأدلة السابقة في تحريم استقبال القبلة أو استدبارها في الصحراء , وأما جوازه في البنيان فلأدلة عديدة ( في كثير منها مقال ) أشهرها وأقواها , ما أخرجه الإمام مسلم من حديث محمد بن يحيى بن حبان عن عمه واسع بن حبان عن ابن عمر Z قال " رقيت على بيت أختي حفصة , فرأيت رسول الله T قاعدا لحاجتـه مستقبل الشام , مستدبر القبلة "
ونوقش : بأنه محمول على أنه خاص بالنبي T أو منسوخ بأحاديث النهي , قال ابن القيم ( زاد المعاد 2/383) " وهذا يحتمل وجوها ستة : نسخ النهي به , وعكسة , وتخصيصه به T , وتخصيصه بالبنيان , وأن يكون لعذر اقتضاه لمكان أو غيره , وأن يكون بنيانا , لأن النهي ليس على التحريم ولا سبيل إلى الجزم بواحد من هذه الوجوه على التعيين ... فلا سبيل لى ترك أحاديث النهي الصحيحة المستفيضة بهذا المحتمل "
ورد : بأن ما ذكر أنه مخصوص بالنبي T لا دليل عليه , والأصل عدم الخصوصية قال ابن حجر " ودعوى خصوصية ذلك بالنبي T لا دليل عليها إذ الخصائص لا تثبت بالاحتمال " والقول بالخصوصية يتجه إذا تعذر الجمع أما إن لم يتعذر فلا , أما القول بالنسخ سواء كان الناسخ حديث ابن عمر أو حديث أبي أيوب لا يصح لأن النسخ لا يصار إليه إلا عند تعذر الجمع , كما هو الحال في مسألة تعارض القول مع الفعل, والجمع ممكن ,قال النووي ( المجموع 2/96 ) : وأما قولهم : ناسخان ( يعنى حديث عائشة الآتي وحديث ابن عمر السابق ) فخطأ لأن النسخ لا يصار إليه إلا عند تعذر الجمع ولم يتعذر هنا " وقال في المنهاج " ولا خلاف بين العلماء أنه إذا أمكن الجمع بين الأحاديث لا يصار إلى ترك بعضها , يجب الجمع بينهما والعمل بجميعها , وقد أمكن الجمع على ما ذكرناه و فوجب المصير إليه "
ولما أخرجه الإمام أحمد في مسنده من طريق خالد بن أبي الصلت عن عراك عن عائشة قالت " ذكر لرسول الله T أن ناساً يكرهون أن يستقبلوا القبلة بفروجهم , فقال T : أو قد فعلوها , حولوا مقعدتي قبل القبلة "
ورد : بأن هذا الحديث معلول ولا يصح , لأمور :
1. أن عراك بن مالك لم يسمع من عائشة Z , قاله الإمام أحمد نقلاً عن الأثرم ( المراسيل لابن أبي حاتم 299 )
2. أن الصحيح وقفه على عائشة , قال الترمذي في كتاب العلل : سألت أبا عبدالله محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال : هذا حديث فيه اضطراب , والصحيح عندي عن عائشة قولها
3. في سنده خالد بن أبي الصلت , قال الذهبي في ميزان الاعتدال (1/632) : لا يكاد يعرف .
وأيضا بما أخرجه الإمام أحمد في مسنده وابي داود في سننه وغيرهما من طريق محمد بن اسحاق عن أبان بن صالح عن مجاهد عن جابر Z قال " نهى T أن نستقبل القبلة ببول فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها " وليعلم أن هذا الحديث مما استدل به جمع من السلف في نسخ أحاديث النهي , ووجه الدلالة : أن جابر Z لم بين ويخصص رؤياه للنبي T حال قضاء الحاجة بالبيان , فوجب أمضاه على العموم , ورد : بأنه محمول على وقوع ذلك منه T في الأبنية , قال ابن حجر ( الفتح 1/323) " والحق أنه ليس بناسخ لحديث النهي خلافاً لمن زعمه , بل هو محمول على أنه رأه في بنا أو نحوه , لأن ذلك هو المعهود من حاله T لمبالغته في التستر , ورؤية ابن عمر Z له كانت من غير قصد كما سيأتي فكذا رواية جابر " قلت : هذا وجيه لولا ما فيه من الاحتمال ,
ونوقش : بأن هذا الحديث أعل بأمور
1. فيه ( أبان بن صالح ) قال عنه ابن حزم ( مجهول ) ورد : بأن أبان مشهور ثقة , قال ابن مفوز : أبان بن صالح مشهور ثقة صاحب حديث , وهو أبان بن صالح بن عمير أبو محمد القرشي , روى عنه ابن جريج , وابن عجلان وابن سحاق , وعبيد الله بن أبي جعغر , واستشهد بروايته البخاري في صحيحه عن مجاهد والحسن بن مسلم وعطاء , وثقة يحيى بن معين وأبو حاتم وأبو زرعة الرازيان والنسائي , قال ابن حجر في التهذيب " وثقة الأئمة , ووهم ابن حزم فجهله , وابن عبدالبر فضعفه " .
2. فيه ( محمد بن إسحاق ) , واختلف الأئمة العلام فيه , فعدة الإمام مالك بأنه دجال من الدجاجلة , واتهمة هشام بن عروة بن الزبير بالكذب , لأنه كان يروى عن زوجته , وكان هشام ينكر سماع ابن اسحاق عها , ويقول هل دخل على امرأتي ؟ , قال ابن القيم " انفرد به محمد بن اسحاق , وليس هو ممن يحتج به في الأحكام , فكيف أن يعارضة بحديثه الأحاديث الصحاح أو ينسخ به السنن الثابته ", بينما وثقه شعبة بن الحجاج,و يحيى بن سعيد القطان ,و الإمام أحمد وغيرهم , قال سفيان بن عيينة " ما أدركت أحداً يتهم ابن اسحاق في حديثه " , وقال الذهبي " حسن الحديث , صالح صدوق , وما انفرد به ففيه نكارة " قال صاحب القول المسدد : وأكثر ما عيب عيه التدليس والرواية عن المجهولين , وأما هو في نفسه فصدوق قال ابن حجر في التهذيب ( صدوق يدلس ) وعموماًَ : أظهر القوال فيه القول بقبول حديثة وعده من الحسان , إلا ما تفرد به فيوجب التأمل والنظر .
وأما من النظر فما حكاه الحافظ ابن حجر عن ابن المنير (الفتح 1/323 ) قوله " أن الاستقبال في البنيان مضاف إلى الجدار عرفاً , وبأن الأمكنة المعدة لذلك مأوى الشياطين فليست صالحة لكونها قبلة , بخلاف الصحراء فيها " ولأن الاستدبار أهون من الاستقبال فهو أقبل قبحا منه ويشكل على هذا : ما قاله ابن القيم ( الزاد 2/383) " ما حد الحاجز الذي يجوز ذلك معه في البنيان ؟ ولا سبيل إلى ذكر حد فاصل , وإن جعلوا مطلق البنيان مجوزا لذلك , لزمهم جوازه في الفضاء الذي يحول بين البائل وبينه جبل قريب أو بعيد كنظيره في البنيان , وأيضاً فإن النهى تكريم لجهة القبلة , وذلك لا يختلف بفضاء ولا بنيان , وليس مختصاً بنفس البيت , فكم من جبل أو أكمه حائل بين البائل وبين البيت بمثل ما تحول جدران البينان وأعظم , وأما جهة القبلة فلا حائل بين البائل وبينها وعلى الجهة وقع النهي لا على البيت نفسه " أهـ كلامه رحمه الله
القول الثالث " تحريم استقبال القبلة واستدبارها في الصحراء , وجواز الاستدبار في البنيان دون الاستقبال , وهذا القول رواية عن الإمام أحمد حكاها صاحب الإنصاف , ونسبة غير واحد للإمام أبي حنيفة , وفيه نظر , فقد بين العيني في عمدة القاري أن هذا القول مروى عن أبي يوسف صاحب أبي حنيفة لا أبي حنيفة نفسه ودليلهم : حديث ابن عمر السابق قال " رقيت على بيت أختي حفصة , فرأيت رسول الله T قاعدا لحاجتـه مستقبل الشام , مستدبر القبلة " وهذا القول فيه قوة ,ولا يرد قياس الاستدبار على الاستقبال للتفاوت بينهما , قال ابن حجر " ولا يقال يلحق به الاستقبال قياساً , لأنه لا يصح لكونه فوقه " لولا أن يشكل عليه : حديث جابر Z قال " نهى T أن نستقبل القبلة ببول فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها " إلا أن هذا الحديث ضعفه جمع من الأئمة لعلل سبق بيانها .
القول الرابع : القول بالكراهة , سواء كان في البنيان أو في الصحراء , وهو مروى عن الإمام أحمد (الأنصاف ) ودليلهم : الجمع بين أحاديث النهي وأحاديث الجواز , وهذا القول قوي أيضاً , يعضده ما سبق نقله عن ابن القيم في الاعتراض على القول الثاني فليراجع ,ولكن يشكل على هذا : ما اعترض به على حديث ابن عمر وغيره من أنه محمول على الأبنية
وعلى كل حال المسألة محل تردد وتوقف عندي لا يمكن أن أجزم بقوة أحد الأقوال على من سواها خاصة الأقوال التي ذكرتها , وأما ما عداها من أقوال وهي تربوا على التسعة فهي محل ضعف , أعرضت عنها اختصار للوقت , والذي ينبغي للمسلم الحرص على عدم استقبال أو استدبارها مطلقاُ سواء كان في الصحراء أم البنيان والله أعلم
تتمة :
1. ذهب جماعة من السلف منهم ابن سرين إلى تحريم استقبال القبلة الأولى بيت المقدس واستدلوا بما رواه أبو داود وغيره من طريق عمرو بن يحيى عن أبي زيد عن معقل بن أبي معقل الأسدي قال " نهى رسول الله T أن نستقبل القبلتين ببول أو بغائط " وهو ضعيف , وأما ما قاله النووي : إسناده حسن , فضعيف , وعلى فرض صحته فقد أجيب عنه بعدة أجوبه أحسنها ما ذكره العظيم أبادي بأنه يحتمل أن يكون من أجل استدبار الكعبة , لأن من استقبل بيت المقدس بالمدينة فقد استدبر الكعبة ( عون المعبود 1/28) وعليه فالصحيح ما ذهب إليه الجمهور ونقل فيه الإجماع من جوازه ( الفتح 1/323) .
2. ذهب الحنابلة في المشهور عنهم إلى أنه يكفى الانحراف اليسير عن جهة القبلة . واختار شيخ الإسلام عدمـه , وقرر أنه لا بد من الانحراف الكثيرة , وهو الصواب ( حاشية ابن قاسم 1/351)
3. ذهب الحنابلة إلى أنه يكره استقبال القبلة حال الاستنجاء , والتحقيق : ما اختاره الشافعية من عدم الكراهة , قال النووي ( المجموع 2/76) : لأن النهي ورد في استقبالها واستدبارها ببول أو غائط ,وهذا لم يفعله .
4. ذهب ابن حبيب من أصحاب الإمام مالك إلى كراهية الجماع حال استقبال القبلة أو استدبارها , وخالفه عامة أهل العلم فراو الجواز , وهو الحق , لأن الكراهة حكم شرعي تحتاج إلى دليل , ولا دليل .
هذا ما تيسر به الوقت ,ولعل الله ييسر في وقت لاحق أن ننشر أصل هذا البحث , وأخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين